الشيخ محمد النهاوندي
397
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « لا اعافي أحدا قتل بعد أخذه الدّية » « 1 » . ثمّ أشار سبحانه إلى حكمة حكم القصاص وغايته ، بقوله : وَلَكُمْ أيّها النّاس فِي الْقِصاصِ من الجاني حَياةٌ عظيمة . وفي هذا الكلام من كمال الفصاحة ما لا يخفى ، حيث إنّ حكم القصاص الذي هو موجب لتفويت الحياة جعل ظرفا ومقرّا لها . قيل : إنّ العرب كانوا يقتلون بالواحد جماعة ، وبالمقتول غير القاتل ، فكانت تقع الفتنة ويكثر القتل ، فبهذا الحكم سلم النّاس من القتل ، وحصل الارتداع عنه ، فسلم النّفسان لخوف القود ، بل النفوس الكثيرة . وعن ( الأمالي ) : عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال : « أربعة قلت فأنزل اللّه تصديقي في كتابه - وعدّ منها - قلت : القتل يقّل القتل ، فأنزل اللّه تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » « 2 » . يا أُولِي الْأَلْبابِ والعقول . قيل : في ندائهم إشعار بكمال حكمة الحكم من حفظ النّفوس واستبقاء الأرواح « 3 » لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل ، أو المراد : لكي تعملوا عمل أهل التّقوى ، فإنّ من أعظم حقوق النّاس الدّماء . وفي رواية : أنّها أوّل ما يحاسب به « 4 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 180 إلى 182 ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 ) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 ) ثمّ شرع في بيان حكم آخر منها ، بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ وظهر لنفس أماراته إِنْ تَرَكَ خَيْراً أو مالا قليلا أو كثيرا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ممّن يرث وممّن لا يرث بِالْمَعْرُوفِ والمستحسن في الشّرع والعقل ، وذلك يحقّ حَقًّا ثابتا عَلَى الْمُتَّقِينَ وهم الّذين اتّخذوا التّقوى طريقة ومذهبا لأنفسهم فيشمل عامّة المؤمنين ، فدلّت الآية بظاهرها على وجوب الوصيّة للأرحام ، ويؤيّده ما روي عن الصادق عليه السّلام عن أبيه ، عن أمير المؤمنين عليهما السّلام قال : « من
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 5 : 55 . ( 2 ) . أمالي الطوسي : 494 / 1082 . ( 3 ) . كنز العرفان 2 : 358 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 1 : 286 .